السيد الطباطبائي

36

تفسير الميزان

داخل ذواتكم ونضعها في الخارج فكيف يخفى علينا كونكم تريدون بنا المكر بذلك ؟ هل المكر إلا صرف الغير عما يتصده بحيلة وستر عليه بل ذاك الذي تزعمونه مكرا بنا مكر منا بكم حيث نجعلكم تزعمونه مكرا وتقدمون على المكر بنا ، وهذه المزعمة والاقدام ضلال منكم وإضلال منا لكم جزاء بما كسبته أيديكم ، وسيأتي نظير هذا المعنى في قوله : ( يا أيها الناس انما بغيكم على أنفسكم ) الآية 23 من السورة . وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله : ( ان رسلنا يكتبون ما تمكرون ) على قراءة تمكرون بتاء الخطاب وهى القراءة المشهورة ، وهو من عجيب الالتفات الواقع في القرآن ولعل النكتة فيه تمثيل معنى قوله : ( قل الله أسرع مكرا ) في العين كأنه تعالى لما قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : ( قل الله أسرع مكرا ) أراد ان يوضحه لهم عيانا ففاجأهم بتجليه لهم دفعة فكلمهم وأوضح لهم السبب في كونه أسرع مكرا ثم حجبهم عن نفسه فعادوا إلى غيبتهم وعاد الكلام إلى حاله ، وخوطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببقية الخطاب : ( هو الذي يسيركم ) الخ ، وهذا من لطيف الالتفات . قوله تعالى : ( هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) إلى آخر الآية ، الفلك السفينة وتستعمل مفردا وجمعا ، والمراد بها ههنا الجمع بدليل قوله : ( وجرين بهم ) والريح العاصف : الشديدة الهبوب ، وقوله : ( أحيط بهم ) كناية عن الاشراف على الهلاك ، وتقديره أحاط بهم البلاء أو الأمواج ، والإشارة بقوله : ( من هذه ) إلى الشدة . ومعنى الآية ظاهر . وفيها من عجيب الالتفات الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله : ( وجرين بهم بريح طيبة - إلى قوله - بغير الحق ) ولعل النكتة فيه ارجاعهم إلى الغيبة وتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصف أعجب جزء من هذه القصة الموصوفة له ليسمعه ويتعجب منه ، ويكون فيه مع ذلك اعراض عن الامر بمخاطبتهم لأنهم لا يفقهون القول . قوله تعالى : ( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ) أصل البغى